محمد سعيد رمضان البوطي
314
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
الزنى ، فإنا قوم نغترب ولا بدّلنا منه ، قال : هو عليكم حرام ، فإن اللّه يقول : وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَساءَ سَبِيلًا [ الإسراء 17 / 32 ] . قالوا : أفرأيت الرّبا ، فإنه أموالنا كلها ، قال : لكم رؤوس أموالكم إن اللّه تعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [ البقرة 2 / 278 ] . قالوا : أفرأيت الخمر ، فإنه عصير أرضنا لا بدّ لنا منها ، قال : إن اللّه حرمها ، وقرأ آية تحريم الخمر « 121 » . قال ابن إسحاق : وسألوه أيضا أن يضع عنهم الصلاة فقال صلّى اللّه عليه وسلم لهم : لا خير في دين بلا صلاة . فخلا بعضهم إلى بعض يتشاورون في الأمر ثم عادوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وقد خضعوا لذلك كله ، ولكنهم سألوه أن يدع لهم وثنهم الذي كانوا يعبدونه ( اللات ) ثلاث سنين لا يهدمها ، فأبى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ذلك ، فما برحوا يسألونه سنة سنة ويأبى عليهم ، حتى سألوه شهرا واحدا بعد مقدمهم ، فأبى عليهم أن يدعها إلى أي أجل ، قال ابن إسحاق : وإنما أرادوا بذلك أن يتخلصوا من أذى سفهائهم ونسائهم وذراريهم ، وكراهية منهم أن يردعوا قومهم بهدمها حتى يدخل الإسلام قلوبهم . فقالوا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : فتولّ أنت إذن هدمها ، فأما نحن فإنا لا نهدمها أبدا . فقال لهم : فسأبعث لكم من يكفيكم ذلك . ثم استأذنوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأذن لهم ، وأكرمهم وحيّاهم ، وأمّر عليهم عثمان بن أبي العاص لما رأى من حرصه على الإسلام ، وكان قد تعلم سورا من القرآن قبل أن يخرج . وبعث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إليهم وفدا على أثرهم أمّر عليهم خالد بن الوليد وفيهم المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب ، فعمدوا إلى اللات فهدموها ، وخرجت نساء ثقيف حسّرا يبكين عليها ويرثينها ، وكلما ضربها المغيرة بفأسه قال أبو سفيان : واها لك ، آها لك « 122 » ! . . يسخر منه ويصانع حزن تلك النسوة اللاتي يندبن ويبكين عليه » . قال ابن سعد في طبقاته - يروي عن المغيرة رضي اللّه عنه - فدخلت ثقيف في الإسلام ، فلا أعلم قوما من العرب ، بني أب ولا قبيلة ، كانوا أصحّ إسلاما ، ولا أبعد أن يوجد فيهم غش للّه ولكتابه ، منهم « 123 » . تتابع وفود العرب ودخولهم في دين اللّه قال ابن إسحاق : « لما افتتح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه ، وإنما كانت العرب تتربص بالإسلام أمر هذا
--> ( 121 ) انظر زاد المعاد : 3 / 26 ، 28 ( 122 ) ابن هشام : 2 / 327 ( 123 ) طبقات ابن سعد : 2 / 78